المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الآداب المعنوية للعمل الإسلامي


بنت الزهراء
17-03-10, 09:28 AM
http://img94.imageshack.us/img94/27/52770014.gif (http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312669046751.gif)


الآداب المعنوية للعمل الإسلامي (1)

- إن على الذين يهتمون بالجانب العبادي، اغتنام الليالي البيض؛ ليحولوا هذه الليالي المباركة إلى محطة بيضاء، وإلى فرصة لتبييض القلوب.. فإن الله -عز وجل- له تجليات متميزة في السنة، ومنها في شهر رمضان.. وأثناء الشهر أيضاً، هنالك تجليات متميزة: كليلة القدر، وليلة الجمعة، والليالي البيض، والليلة الأخيرة من الشهر الكريم.. والمؤمن صياد الفرص، لأن الفرص تمر كما تمر السحاب.. فعالم الدنيا كالسوق: هناك بعض المحلات تجعل ساعات أو أياما، تبيع فيها البضاعة بأرخصِ الأسعار!.. والإمام الهادي -عليه السلام- يقول: (الدنيا سوق؛ ربح فيها قوم، وخسر آخرون)، فالمؤمن يترقب هذه الفرص الاستثنائية، ليحقق التكامل في حياته.
- الآداب المعنوية للعمل الإسلامي:
أولا: الدمج بين الآداب الباطنية، والحركة الخارجية.. إن كلمة الآداب المعنوية، تقترن عادةً بالعبادةِ المعنوية، مثل: الصلاة، والحج، وقراءة القرآن.. ولكن هذه النقلة الجميلة للدمج والمزج بين عالم الآداب الباطنية، وبين الحركة الخارجية في الحياةِ، هي سمة واعية من العاملين.. وهذه الفقرة الجميلة في المناجاة الشعبانية: (فَناجَيْتَهُ سِرّاً، وَعَمِلَ لَكَ جَهْراًً)، هذا هو المنهج الذي يريده الإسلام، لا يريد من الإنسان أن يناجي ربه سراً، فتتحول هذه الطاقة إلى طاقة مهدورة!.. هذه الأيام مصانع توليد الطاقة الكهربائية، تحول الطاقة المختزنة إلى حركة في الخارج.. والمياه هذه الطاقة التي هي مهدورة في عالم الطبيعة، يحولها الإنسان بتدبيره إلى طاقة في الخارج!..
- إن هناك فرقا كبيرا بين إنسان يعيش ليلةً في مناجاةٍ مع رب العالمين، حيثُ: الدموع الغزيرة، والركوعات المتصلة، والسجدات المتواصلة.. ولكنه في النهار، لا وزن له في حركة الحياة، لا يُغير ساكناً في حياة الأمة، وأقرب الناس إليه، زوجته أولاده، هم أبعد ما يكونون عن منهجهِ.. ولكن طبيعة الإسلام ليس هكذا أبداً، يقول تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، فقد جعل الإسلام النفس في كفةٍ، والأهل في كفة متقاطبة.. وعندما بعث الله -تعالى- النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- طلب الله -عز وجل- منه أن يُنذر عشيرته الأقربين، {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}.. فالنبي (ص) مزج بين غار حراء، وبين العمل الدائب في مكة: وقد تَحمل أذى قريشٍ، والمقاطعة في شعبِ أبي طالب، وكان يرى أصحابه وهم يُعذبون ويغادرون من مكانٍ إلى مكان.. وقد نال النبي (ص) رضا الله -عز وجل- حين جمع بين هاتين الحركتين.
ثانيا: الأنس بالله -عز وجل-.. إن هناك فرقا بين أن تكون الحركة في ذاتها منطلقة من أمر المولى، وبين أن ينوي الإنسان أن تكون حركته بأمرِ المولى؟!.. أي فرق بين البناء على القرب، وبين الانطلاقة القربية!.. مثلا: بإمكان الشاب أن يدعي أن زواجه هو قربة إلى اللهِ -عز وجل-، أي ينوي بداءً نيتين: نية القربة، ونية الزواج.. مع أن واقع العمل هو إشباع الغريزة!.. فلو وصل الإنسان إلى هذه الدرجة، يكون قد وصل إلى مرحلة الامتناع، والاندكاك، والتقهقر.. ولا يكون ذلك إلا عندما يصل الإنسان المؤمن إلى درجة الأنس بالله -عز وجل-.. فمثلا: ما الذي يجعل الشاب يغادر ويعمل سنوات طويلة في الصحاري، وفي عالم الغربة، وفي أماكن لا تلائم؟.. إنه يتحمل كل ذلك كي يصل إلى بناء أسرة، فإحساسه باللذة والأُنس بهذا الجو المستقبلي، هو الذي دفعه لتحمل كل هذه العقبات الصعاب.. وكذلك بالنسبة للإنسان المؤمن.
ثالثا: الإكثار ممن يحبون الله -عز وجل-.. إن من أهم صفات المحب، أن يُكثر من محبي المحب، وفي عالم الحب يقال: "إن أفضل هدية تُقدم إلى المحبوب، هي أن تُكثر من القلوب المحبة له".. لو جاء أحدهم لمن يحب بأغلى التحف والهدايا، وهناك محب آخر روج له شخصياً.. فإنه يرى أن هذه الحركة لا تقاس بهذه المواد الجامدة من الهدايا!.. إن من أفضل سبل القرب إلى الله -عز وجل- أن يُكثر الإنسان ممن يحب ربه.. روي أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بعث عليا في سرية، فرؤيا رافعا يديه وهو يقول: (اللهم لا تمتني حتى تريني عليا)!.. فالنبي (ص) كان لا يتحمل فراق علي كثيراً، وقد ورد في الحديث الشريف أن الله –تعالى- خاطب نبيه -أثناء رحلة المعراج- بأحب الأصوات إليه، وهو صوت علي عليه السلام.. وبالرغم من هذا التوازن التام بين الروحين، فإن النبي الأكرم (ص) يبعث علياً (ع) إلى اليمن!.. في هذه السفرة التي ذهب فيها علي إلى اليمن، كم عانى من العذاب على فراق حبيبه المصطفى، وكم عانى النبي (ص) أيضاً من فراق حبيبهِ المرتضى!.. ولكن لابد من هذه الحركة التكاملية لعليٍّ صلوات الله وسلامه عليه.
رابعا: عدم توقع التأثير السريع.. إن في عالم الطب، نلاحظ بأن العقاقير ذات أثر سريع، فالإنسان الذي في غرفة العمليات، وهو يتكلم مع الطبيب، وإذا بوخزة إبرة تنقله إلى عالم آخر!.. فيُفتح بطنه، وتُقطع أعضائه، وهو لا يشعر بذلك.. وهذا هو الذي جعل طب الحبوب، يتفوق على طب الأعشاب؛ لأن الأعشاب تأثيرها بطيء.. وفي عالم التكوين، التأثير سريع.. ولكن في عالم الأرواح ومع مرور الزمان، فإن التأثير ليس كتأثير حبوب الدواء المسكن على السلسلة العصبية للإنسان!.. فالنفس الإنسانية روح معقدة تتجاذبها الأكوان: الشياطين تحول دون وصول الكلمة الطيبة المؤثرة، والتركيبة الاجتماعية، وأصدقاء السوء، والتجاذب الاجتماعي.. فلا يتوقع أن يتكلم الإنسان بالكلمة، وإذا بهذه الكلمة كفعل السحر في النفوس.. فالنبي الأعظم (ص) بعد هذه السنوات من المجاهدة: في مكة ثلاث عشرة سنة، وفي المدينة معركة بدر وأحد، وإذا بالنبي (ص) يصعد المنبر ليخطب الجمعة، فينفض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله.. ولكن الله -عز وجل- طيب قلب حبيبه المصطفى (ص)، بأن أنزل سورة الجمعة، وركز على تلك الخطبة اليتيمة التي انفض عنها الناس.. فرب العالمين عوضه بسورة، تُتلى في كل جمعة إلى قيام الساعة.
- إن نفس النبي (ص) لم يكن بأقل من نفس المسيح (ع)، الذي كان يُحيي الموتى.. ولكن مع ذلك فإن هذا هو ديدنه، وهذا أسلوبه: يتكلم فيرى تجاوباً في موضع، ولا يرى تجاوباً في موضع؟!.. والبعض يستهزأ بالنبي المصطفى (ص)، ويتهم بأنه مجنون.. والقرآن قد ذكر هذه العبارة لحبيبه المصطفى -صلى الله عليه وآله-: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}؛ أي هو الذي يفلق القلوب، إذا وضع فيها القابلية والنمو والتكامل.
خامسا: عدم تحويل المؤسسات إلى مراكز مستقلة.. إن على المؤمن أن لا يحول المآتم، والمساجد، والجمعيات إلى مراكز مستقلة.. فالإنسان عندما يتوجه إلى الله -عز وجل- من خلال خدمة عبادهِ، وعمران بلادهِ؛ عليه أن ينظر إلى أن كل عمل يصب في هذا المجال.. وذلك كمن يركب قاربا مع جماعة في معبر العواصف الهوجاء، وهم يعلمون أنه كلما اشتدتْ سرعتهم، كلما نجوا من المخاطر، فيأخذ كل واحد منهم يشد من أزرِ الآخر..فهل هذا الإنسان يُصاب بحالة من حالات الغيرة والحسد، ممن يقوم بالعمل بشكل أسرع منه، أو أفضل منه؟!.. وبالتالي، فإنه يجب أن نطبق هذه الحركة المجدافية في حياتنا اليومية، ويجب أن نعتبر أن كل خطوة في أيِّ مسجد، وفي أيِّ مؤسسة، يصبْ في الحركة العامة.. إيانا أن نحول هذه المؤسسات إلى أصنامٍ، وإلى معابدٍ تُعبد من دون الله -عز وجل-!.. فالإنسان في كثير من الحالات يعشق العناوين، ويريد أن يجري الخير على يده، فإذا جرى هذا الخير على يد الغير وبشكل مضاعف.. فإنه يرى في نفسه حزازة، وهذا معنى الذمية والذاتية!.. وهنالك عبارة جميلة تقول: (لو اجتمع الأنبياء في قرية واحدة، لما وقع بينهم تنازع)؛ لأن الهدف هدف رسالي واحد.. ومن هنا، فإن الذي لا يعيش الرسالية -حتى لو كان في مقام خدمة الإسلام والمسلمين- فإنه سيقع في بعض المحاذير في هذا المجال.. فلماذا التنافس؟!.. هب أن طبيباً ذهب إلى بعض البيئ المريضة، إذا جاء طبيبٌ آخر ليساعده في علاج الموبوءين.. فإن هذا الطبيب سيزداد فرحاً وأُنساً؛ لأنه سيرتاح في ساعة من ساعات ليلهِ ونهاره.
سادسا: ملاحظة استمرار نية القربة.. إن الإنسان من الممكن أن يبدأ بداية طيبة، ولكن مع مرور الأيام تتحول القضية إلى حالة من حالات عبادة الذات.. المشكلة في طلبة العلم، إنهم يبدءون بداية طيبة!.. فأول سنة هي من أفضل سنوات طلبة العلم، حيث: التقوى، والزهد، وقيام الليل، ولكن المشكلة في النهاية؟!.. فهذا الذي بدأ هكذا بداية: طيبة، وجيدة، ومتقنة، وقربية، وفيها إنكار للذات، وتحطيم لهذه النفس.. وإذا به في مقام العمل، ينحرف عن هذه المسيرة تدريجياً.. فبعض الأوقات تتحول العقيدة إلى جزء من ذات الإنسان، فهو عندما يدعو للإسلام؛ يدعو إلى عقيدته، وإلى ما أصبحت جزءاً من ذاته، ومن قوام شخصيته.. فينسى المنطلقات الإلهية والرسالية!.. والشاهد على ذلك: ما كان يحدث زمن الشيوعية!.. فما الذي كان يدفع الشيوعي أن يُحكم عليه بالإعدام، فيذهب إلى حبل المشنقة، ويستسلم للموت؟!.. على إنكاره للمعاد، والحساب، والجزاء!.. لأن هذا الشيوعي يقول: هذا جزء من ذاتي، لا دخل لي بماركس ولا غيره، وإنما هذه العقيدة جزء من تكويني.. وبالتالي، فإن ما يخشى منه هو أن يتعامل البعض مع الشريعة الحقة، كتعامل الشيوعي مع شيوعيته!.. فتصبح الشريعة جزءا من ذاته وتكوينه، ويرى أن هذه الشريعة هي متصلة بذلك العالم، ويدافع عن عقيدته بما هي عقيدته!.. قد يقول البعض: ما المانع من ذلك؟!.. يا لها من مرتبة عالية، أن تصبح الشريعة جزءا من ذات الإنسان!.. نقول: لا، لأنه بالنظرة الفاحصة، وبالنظرة الدقيقة تصبح هنا مسألة "الشرك الخفي"!.. والدليل على ذلك ما قام به علي -عليه السلام- عندما جلس ليحز رأس ذلك المشرك، فبصق في وجه علي، أو أهان علياً بكلمة.. فقام وأخذ يحوم في الميدان، ثم رجع وقام بقتله، وذلك كي يكون هذا العمل لوجه الله -عز وجل- لا انتقاما وثأرا لنفسه وذميته وذاتيته.
سابعا: عدم التعويل على المدد الغيبي.. ينبغي على المؤمن في العمل الاجتماعي، أن لا يعول على المدد الغيبي؛ لأن الإنسان لا يعلم متى يأتي المدد؟.. فالمسلمون في معركة أحد كانوا ينظرون يميناً وشمالاً، حتى تأتي الملائكة المسومة كما في معركة بدرٍ، فلم تأت الملائكة!.. وهم أحوج ما يكونون إلى نصرة الملائكة، وذلك لأنه كان قد أُشيع بأن النبي (ص) قُتل، وكذلك الإسلام يحتاج إلى معارك تنتهي بنصرٍ، ولكن الله -عز وجل- حبس عنهم النصر.. فرب العالمين هو صاحب المدد.. هنالك أمران مسلّمان في حياة الإنسان، ولكن لا قانون لهما، وهما: الشفاعة، والمدد.. إن البعض يرتكب المعاصي، على أمل الشفاعة!.. ولكن هل هو متيقن أن الشفاعة ستشمله؟.. فالإمام الصادق -عليه السلام- جعل من شروط الشفاعة، عدم الاستخفاف في الصلاة!.. قال (ع): (إنّ شفاعتنا، لا تنال مستخفاً بصلاته)!.. هذا الذي ذُكر، وأما الذي لم يذكرْ فهناك الكثير.. وبالتالي، فمن الذي ضمن له هذه الشفاعة؟.. ومن الذي ضمن له المدد الغيبي؟.. فالنبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- احتج على ذلك الذي ترك بعيره في الصحراء، فضاع.. وقال مقولته المشهورة: (أعقلها وتوكل)!..وعليه، فإن على الإنسان أن يبذل قصارى جهده: في العمل بتكليفه، والاستشارة في إتقان القواعد المبتكرة، وفي ابتكار الأساليب المؤثرة، والفاعلة، والاستفادة من العلوم الحديثة.. فالقضية قضية حسية، ومادية.. والنبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- قال هذه الكلمة: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً، فليتقنه)، عندما كان يسوي قبراً من القبور، وهو يعلم بأن الرياح ستأتي وتزيل هذه الرمال.
- إن الله -عز وجل- جعل لكل زمان إماماً.. وإمام زماننا هو الإمام المهدي (عج)، والذي سنحشر تحت رايته يوم القيامة، وأما في الدنيا فإن أعمالنا تعرض عليه صباحاً ومساءً، يومي الاثنين والخميس.. فالذي يريد أن يبارك له المولى في عمله، فليكن له سبيل إلى ذلك الوجود الطاهر.. وهنالك ثلاث مؤشرات لحياة القلوب:
الكاشف الأول: التفاعل مع مناجاة رب العالمين.. والتفاعل لا يكون في مجلسٍ أو مجلسين.. فالإنسان قد يصاب بقسوة في مرحلة من المراحل، وأما أن يكون طوال شهر رمضان، لم يقرأ دعاء أبي حمزة، ولا مرة واحدة بتفاعل!.. ولم يستجر الدمعة ولا مرة واحدة في دعاء الافتتاح والسحر؟!.. فإن هذا القلب مريض!.. صحيح أن هذه الغدة هي عبارة عن ملحٍ ينزل من الغدد الدمعية في العين، ولكن هذه الدمعة كاشفة عن شيءٍ في القلب!.. فإذاً، إن التفاعل مع ذكر الله -عز وجل- بشكلٍ عام، هو من كواشف حياة القلب.
الكاشف الثاني: التفاعل مع ذكر أهل البيت (ع) ومصائبهم.. رحم الله ذلك الرجل العارف الذي يقول: زبائن أهل البيت كثيرون!.. أما رب العالمين فلا زبائن له؟!.. أحدنا في ذكر اسم سيد الشهداء -عليه السلام- يتفاعل، مصداقاً لحديث النبي (ص): (إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين، لا تبرد أبداً).. هذه حركة جيدة، ونحن لسنا من دعاة التعويض!.. ولكن من دعاة الإضافة، والزيادة.. فالبعض يقول: دعوا هذا البكاء، وابكوا في المناجاة!.. ولكن الجمع بينهما هو طريق العبادة.
الكاشف الثالث: التفاعل مع ذكر الإمام المهدي -صلوات الله وسلامه عليه-.. لا نكاد نجد في بيئتنا هذه، ذلك التفاعل مع الإمام كإمامٍ حيٍّ.. عليٌّ -عليه السلام- يقول: (ولقد بلغني أن الرجل منهم، كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة.. فينتزع حجلها وقلائدها ورعاثها.. فلو أن الرجل مات بعد ذلك آسفا، لما كان عندي ملوما، بل كان عندي جديرا).. فصاحب الأمر -عليه السلام- هو ولد علي، وهو على امتداد خط علي -عليه السلام-، ويحمل نفس المشاعر.. فإذا أراد الإنسان أن يبارك له رب العالمين في أعماله، فليربط أعماله بهذا الوجود الطاهر المبارك.. فإذن، إن على المؤمن قبل كل عمل، وأثناء العمل، وحين العمل.. يحاول أن يتذكر صاحب الرعاية لهذه الأمة!.. فبيمنه رُزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء.. عن أبي جعفر الباقر -عليه السلام- أنه قال: (لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة، لساخت بأهلها وماجت، كما يموج البحر بأهله).

بنت الزهراء
17-03-10, 09:45 AM
[/URL][URL="http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312669046751.gif"]http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312669046751.gif (http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312669046751.gif)


الآداب المعنوية للعمل الإسلامي (2)



أولاً: لا تزاحم بين العمل التدبيري والعمل التقديري.. إن الله –عز وجل- له سننه الثابتة حتى فيما يتعلق بالدين، فالبعض يعتقد أن الأمر ما دام لله، وما دام العمل في المسجد، وما دامت الجماعة تعمل في سبيل الله.. فما الداعي للتخطيط، والبرمجة، وتوزيع الأدوار، وإنشاء فرق عمل، فـ(ما كان لله ينمو ويتصل، وما كان لغير الله ينقطع ويضمحل)!.. وكأن هنالك مخالفة بين التوكل والتفويض، وبين العمل المبرمج.. فالإنسان المؤمن لا يفوض أمره إلى الله -عز وجل-، ولا يتكل عليه إلا بعد أن يؤدي ما بوسعه من تكليف بشري.. أما أن نهمل جانب التخطيط والعمل المنظم، بدعوى أن الله -عز وجل- سيتولى المباركة في الأمر.. فهذا ليس من سنن الأنبياء والمرسلين.. أحد الأنبياء مرض فأبى أن يستعمل الدواء، وقال: يا رب أنت الشافي!.. فرب العالمين أوحى إليه: -مضمون الوحي- أنه لا تُشفى إلا بابتلاء استعمالك للدواء.. هذه سنتي في الحياة، ولابد من عدم مخالفة السنة!.. وبعض العيادات التي أصحابها ينتمون إلى الدين وأهله، يكتبون: (الدواء عندنا، والشفاء عند الله).. أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها.
- إن العمل المؤسساتي لا ينال بالتفويض، والتوكل.. والتوكل أو التفويض، لا يعني بالضرورة تسهيل العمل.. فالنبي (ص) هو خاتم الأنبياء، وملائكة السموات رهن أمره، والملك العظيم جبرائيل بينه وبين الله -عز وجل-.. وفي عالم المعراج النبي (ص) تحدث مع الله مباشرة، ووصل إلى مكان وقف الأمين جبرائيل (ع)، فقال له: النبي (ص): (تقدم!.. فإني أخاف)، فقال جبرائيل (ع): (لو تقدمت قيد أنملة، لاحترقت)، وعندها {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}.. يقول العلماء في كلمة: {مَا أَوْحَى}، أسرار كثيرة لأن الله -عز وجل- أبهم الحوارية التي دارت بينه وبين الرسول محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذا سر لم يطلع عليه أحد.. فالنبي (ص) رغم أن كل شيء طوع بنانه، إلا أنه كان لا يترك البرمجة في العمل، ومن أمثلة ذلك:
- تقسيم الناس إلى فريقين: رأى النبي (ص) بأن ثلة من أصحابه لا يحتملون عناء العيش!.. فليس كل الناس يتحمل ما تحمله بلال، وصهيب، ومصعب، وياسر، وعمار، وسمية.. فجعل الناس فريقين: فريق يقاوم، ويتحمل الأذى بكل صوره، وهؤلاء بقوا في مكة، لأن النبي (ص) يحتاج إلى أن يكون معه جماعة في خضم الدعوة، لحمل راية الإسلام.. وفريق رأى أنه لابد وأن يرسلهم إلى بلدة أخرى؛ أي الحبشة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، الذي عندما التقاه النبي (ص) في المدينة قال مقولته المعروفة، وكان رسول الله (ص) عائدا لتوه من خيبر، بعد أن فتحها الله له، ففرح بلقاء جعفر فرحا شديدا، حتى قال: (ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر)؟!.. فإذن، إن النبي (ص) مصداقٌ للعملِ التدريبي، وللعملِ المؤسساتي، والتخطيط.. ونحن نعرف إن ما كان يقوم به النبي، لم يكن إلا بوحي من الله -عز وجل.
- اختيار الوقت المناسب: إن النبي (ص) قسم عمره في مكانين: في مكة: فمعظم سنوات الدعوة كانت في مكة، ولم ينتقل من مكة إلى المدينة إلا عندما رأى بأن الأرضية مهيأة لتلقي الوحي.. والسنوات العشر الأخيرة أمضاها في المدينة: حيث غزواته، وسرايات جهاده، وخطبه.. لقد ذهب (ص) في الوقت المناسب، ولو ذهب إلى المدينة قبيل ذلك بسنوات، لما تظافر هذا التوحيد!.. ولو أنه تأخر في الذهاب إلى المدينة، لعله تكون الفرصة قد فاتته.
- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: إنه عند هجرة النبي (ص) كان في المدينة الأوس والخزرج، والمهاجرون والأنصار.. والمدينة ليست فيها منازل، ولا مناطق للتأجير، فهي مدينة صغيرة!.. وإذا بهجوم من المسلمين من مكة إلى المدينة!.. فالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بلفتة حكيمة آخى بين المهاجرين والأنصار.
- التوفيق بين المجتمع المدني والمكي: ومن أحلى الحركات العاطفية التي قام بها النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- عندما رجع من إحدى الغزوات، وأعطى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، ولم يكن للأنصار منها شيء.. فوجدت الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه.. فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك!.. فقال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟.. قال: يا رسول الله!.. ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة!.. فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا.. وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فأخبره.. فأتاهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم؟.. وجدة وجدتموها في أنفسكم؟.. ألم آتكم ضلالاً، فهداكم الله بي؟.. وعالة فأغناكم الله بي؟.. وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟.. قالوا: الله ورسوله أمن وأفضل.. ثم قال: ألا تجيبوني، يا معشر الأنصار؟.. قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله!.. ولله ولرسوله المن والفضل. قال: أما والله، لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك!.. أوجدتم علي يا معشر الأنصار!.. في أنفسكم في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟.. ألا ترضون يا معشر الأنصار: أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم؟.. فو الذي نفس محمد بيده!.. لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار.. ولو سلك الناس شعباً ووادياً، وسلكت الأنصار شعباً ووادياً، لسلكت شعب الأنصار وواديها.. الأنصار شعار، والناس دثار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار).. قال: فبكى القوم، حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظًّا.. ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وتفرقوا.
ثانيا: الجمع بين عالم الأسباب وعالم المسببات: ورد في بعض الأحاديث بأن الله -عز وجل- لا يستجيب لبعض طوائف الداعية، عن الصادق (ع): (ثلاثة ترد عليهم دعوتهم: رجل رزقه الله مالا، فأنفقه في غير وجهه، ثم: قال يا رب ارزقني، فيقال له: ألم أرزقك؟!.. ورجل دعا على امرأته وهو لها ظالم، فيقال له: ألم أجعل أمرها بيدك؟!.. ورجل جلس في بيته وقال: يا رب ارزقني!.. فيقال له: ألم أجعل لك السبيل إلى طلب الرزق)؟!..
ثالثا: حب الخلود والأبدية: عند الذهاب إلى بعض البلدان السياحية، وإلى بعض الكهوف الأثرية، يلاحظ أن هناك أسماء كتبت على نحو الذكرى!.. هذا الإنسان عمله عمل عبد يريد أن يبقى ذكره، ولو نحتاً على شجرةٍ، أو في غار مظلم؟!.. ومن اللطيف أن بعض الذين يقومون بأعمال بهلوانية قاتلة، ويجازف بحياته، ولكن المهم عنده هو أن يقال: فلان كان بطلا في هذا الحقل مثلاً!.. فهذه غريزة في الإنسان، أنه يحب أن يبقى ذكره!.. ومن هنا هذا الشيطان اللعين الرجيم، جاء إلى أبينا آدم (ع)، فدخل من باب الخلود!.. {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى}، جاء باصطلاح: شجرة الخلد!.. فالذي أوقع آدم في فخ إبليس، خطواته للخلود والأبدية.. وحتى رب العالمين في إغراء الناس إلى العمل الصالح، يبشرهم بالجنة الخالدة، وبالجنة الأبدية.. ولو أن الله -عز وجل- أشار بالجنة من دون وصف للأبدية، لما كان للجنة قيمة؟!.. ما قيمة جنة نعيش فيها مليون سنة، ثم نصبح هباءً منثورا، وينتهي الأمر؟!..
- طريق دخول عالم الأبدية:
الطريق الأول: طريق العلم.. إن البعض يرى أن ذلك متوقف على علمٍ واسعٍ.. والإنسان الذي يريد أن يفسر القرآن، لابد وأن يكون بجانبه كتاب القرآن.
الطريق الثاني: طريق الآل (ع).. في مشهد الرضا -عليه السلام- هناك مسجد بجوار قبر الإمام الرضا -عليه السلام- ذو قبة زرقاء.. في هذا المكان، تقام الجمعة والجماعة، والدرس، والبحث... الخ، وهذا المسجد منتسب إلى أميرة، وسمي باسمها!.. فالله -عز وجل- كتب لها هذا التوفيق الخالد إلى أبد الآبدين، ومن ذهب لزيارة الرضا -عليه السلام- لابد وأن يجتاز هذا المسجد.
الطريق الثالث: الطاعة لله -عز وجل-.. لقد ورد في الحديث القدسي: (إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية.. وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد.. وعزتي وجلالي!.. لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينقلب إلى ما أكره، إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره.. وعزتي وجلالي!.. لا يكون عبدٌ من عبيدي على ما أكره فينتقل إلى ما أحب، إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب).. فالإنسان الذي يريد من رب العالمين أن يبارك له في عمله، وأن يكتب له الأبدية والخلود، ما عليه إلا أن يبدأ من هذه النقطة.
الطريق الرابع: الرضا بأمر الله -عز وجل-.. أي أن يكون الإنسان مستسلماً للشريعة في كل خطواته: مع نفسه، ومع أهله، ومع مجتمعه، وإذا أراد أن يعمل للشريعة.. إن الإنسان بعض الأوقات يقع خلاف بينه وبين زوجته، أو بينه وبين شريكه، فيحتكم إلى الحاكم الشرعي: يستفتي حاكماً، أو مرجعاً، أو عالماً.. فيرضى بالحكم مهما كان.. فهذا الإنسان يكون قد وصل للمرحلة العليا للتكامل.
الطريق الخامس: التسليم الباطني لأمر الله -عز وجل-.. ولكن هنالك مرحلة ما فوق مرحلة الرضا، وقد ذكرت في القرآن، ففي هذه الآية يقول القرآن الكريم: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}.. إن الإنسان من الممكن أن يقبل الحكم الشرعي، ولكن خوفاً من النار، وطمعاً بالجنة.. إذا أراد أن يأكل طعاماً شهياً، ثم يعلم بأن هذا الطعام حرام، فإنه يتركه ونفسه تميل إليه!.. وهذه الأيام يبحث الشباب عن فتوى تُجيز لهم زواجا معينا، فيبحثون يميناً وشمالاً، وإذا لم يروا فتوى مُرخصة، يتمنون لو أن هناك فقيها يُوجد لهم مخرجا في هذه المرحلة.. فالإنسان المؤمن إذا أراد أن يختبر نفسه، فليختبر نفسه في هذه الموارد!.. والتسليم الباطني لرب العالمين، هو كيف يكون استسلام الإنسان لمكروه القضاء؟!.. لا الاستسلام بمعنى الصبر والتحمل!.. وإنما أن يعيش الإنسان حالة الرضا في باطن وجوده؟!..
الطريق السادس: الاصطفاء.. إن من أجلّ الألطاف الإلهية، أن يعامل رب العالمين عبده بما عامل به الكليم موسى.. هذا النبي الذي ظلمه بنو إسرائيل، وادعوه نبياً لهم.. موسى -عليه السلام- ميزه الله بمزية لم يذكرها عن أحد من الأنبياء، هذا المقام الذي يسيل له لعاب السالكين إلى الله عز وجل.. هذا المقام لا يحتاج إلى مالٍ، لا يحتاج إلى علم، ولا يحتاج إلى سمعة، ولا يحتاج إلى زواج وذرية!.. هذا المقام الذي قال عنه القرآن الكريم: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}، هناك قوم من الناس رشحهم رب العالمين لأن يكونوا كذلك في عالم الدنيا، وفي عالم البرزخ، وفي عرصات القيامة، وفي الجنة.. هؤلاء يجالسون ربهم، {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}.. آسيا التفتت إلى هذا المقام لِما تحملت في سبيل الله، وطلبت من الله -عز وجل- أن يبني لها بيتاً عنده في الجنة، "عنده"، {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}، فآسيا ضامنة للجنة!.. لأنها عُذبت في القصر الملكي، وهي زوجة الملك، وذلك لأنها رضيت بالله -عز وجل- فإذا لم تكن الجنة لها، فلمن؟!.. ولكن آسيا تقول: يا ربي أنا أريد مقاماً عندك!.. وكذلك الخضر الذي حير موسى (ع) أيما تحير {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}، هو رشحاً من ذلك المقام، وقد أُذهل موسى ولم يتحمل أن يعيش معه.. {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}!..
- إن أهل التوجه الروحي، وأهل المراقبة الدقيقة لأنفسهم، هؤلاء طبيعتهم ميالة للاعتكاف، وعدم الظهور أمام المجتمع، كي لا يفقدوا بعض المكاسب، هؤلاء لو كان الأمر بيدهم، لذهبوا إلى أعالي الجبال!.. وهذا الإحساس هو الذي جعل البعض يتخذ الرهبانية، {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ}.
- إن الإنسان بعض الأوقات يعمل مع المجتمع: خادماً لهم، ومروجا للشريعة، وقاضياً للحوائج، ومفرجا للكروب!.. هو في مقام العمل ينسى هذا الموقف الروحاني، وينسى الله -عز وجل- وهو يعبد الله.. عندما يؤذن المؤذن ويقول: (حي على خير العمل)!.. يكون هو في نقاش حامي الوطيس مع أفراد مجموعته، بينما تقول أم المؤمنين عائشة: (كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة؛ فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه).
الطريق السابع: عدم اشغال القلب بغير الله -عز وجل-.. يقول أحدهم: سمعتُ بولي من أولياء الله -عز وجل- كان صاحب مطعم في أحد البلاد.. يقول: شددت الرحال وزرته في مطعمه، عنده مطعم متواضع، ولكن طعامه من أفخر الأطعمة؛ لأن الولي لا يغش في مواده الأولية، والناس تتكاثر عليه بفضل طعامه، الذي لا يُعرف له مثيل، يقول: نظرتُ إليه، قلت: هذا الذي يقال عنه بأنه ولي، رأيته وهو منهمكٌ في عمله، يقدم الطعام لهذا، ولهذا.. يقول: خاب ظني، أو كاد يخيب ظني، أن هذا الإنسان إنسان ولي!.. يقول: بمجرد أن خطر في بالي هذه الجملة: إن هذا ليس بولي لله -عز وجل- وإذا به يقول لي: يا فلان!.. ليس من العيب أن يكون رأسك مشغولاً، إنما العيب أن يكون قلبك مشغولاً.. فأنا رأسي مشغول، وإنما قلبي غير مشغول!.. يقول: أنا تعجبت.. أنا لم أقل شيئاً، كيف عرف بنيتي؟.. وكيف أجاب عنها بجواب جيد: أن يكون الفكر مشغولاً، لا بأس بذلك؟!.. أما القلب يقول الإمام الصادق -عليه السلام-: (القلب حرم الله، فلا تسكن حرم الله غير الله)!..
الطريق الثامن: عدم الاكتراث بالمدح أو الذم.. إن الشيطان عينه على المؤمن، فالإنسان الذي يرفع لواء هذا الدين، والذي يريد أن يخدم شريعة رب العالمين، ولو على مستوى وضعٍ كالوضع المالي.. هذا الإنسان دخل في دائرة خدمة الدين.. إن بعض صور خدمة الدين، التي ليس فيها شهرة ولا أموال، هي عند الله -عز وجل- أفضل من بعض الأمور.. فبعض الصلحاء يذهب إلى المآتم، وبإمكانه أن يقوم بدور فاعل وقوي، ولكن يكتفي بتنظيم الأحذية عند مدخل المسجد مثلاً.. إن الشيطان عينه على أن ينتقم من هؤلاء الذين رفعوا رايتهم بيدهم، ويقولون للشيطان: (نحن المتمردون عن سلطانك)!.. على كل حال بين غفلة وشهوة، الشيطان يريد أن يصطاد كل فرد منا بالحبل الذي يناسبه!.. إن الشيطان يعلم تاريخ الإنسان، ويعلم جيناته الوراثية، ويعلم في أي بيئة نشأ، ويعلم ملفه من مئات السنين قبل أن يولد، لأن الشيطان كان مع آدم.. هذا الشيطان يعلم من أين يدخل للإنسان: من باب الشهوة، أو من باب الغضب، أو من باب آخر!.. آخر باب يدخل قلوب الصديقين حب الرئاسة، وحب هذا الكرسي.. لماذا رب العالمين خلد ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين (ع)، في سورة "هل أتى"؟.. ما قيمة الأقراص التي قدموها في سبيل الله؟.. هناك الكثيرون بذلوا أرواحهم في سبيل الدعوة، ولم تنزل لهم سورة؟!.. حتى أن الله -عز وجل- في سورة "هل أتى" ذكر أنواع النعيم من السندس وغير ذلك، وليس فيها آية واحدة تذكر الحور العين؛ مراعاة لكرامة الزهراء -عليها السلام- إنه سر الخلود!..
- فإذن، إن سر الخلود آية في القرآن الكريم.. فالقرآن يجعل بعض الأوقات مفاتيح كبيرة في آية صغيرة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}، إنها أقراص خبز، ما قيمتها في السوق؟!.. هناك قسم من الناس لا يهمه المدح، ولا يتوقعه، ولكن فرقاً بين أن يُمدح أو يذم.. فالمؤمن إذا وصل إلى درجة يستوي عنده المدح والذم يكون قطع مرحلة كبيرة في السير إلى الله -عز وجل-!.. (يا هشام!.. لو كان في يدك جوزة، وقال الناس: لؤلؤة، ما كان ينفعك، وأنت تعلم أنها جوزة!.. ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس: إنها جوزة، ما كان ضرّك، وأنت تعلم أنها لؤلؤة)!.. فكلام الناس لا يكشف عن الواقع، والمدح لا قيمة له!..
رابعا: الدفع بالتي هي أحسن.. إن إثارة البغضاء، والعداء بين المؤمنين، سلاح الشيطان الفعال في تفتيت العمل الاجتماعي، وهدم الأبنية العريقة الإسلامية والاجتماعية.. وكذلك إثارة سوء الظن، وإثارة النظرة، والحسد، والحقد.. إن التعامل مع المؤمن لا يكون في الخارج، إنما مع الصورة الذهنية المغتسلة!.. لأنه لم يتم الاطلاع على ذات ذلك المؤمن، فهو بنفسه محجوب عن ذاته، ولم يصل إليها!.. الإنسان المؤمن عليه أن يكون سباقاً في الدفع بالحسنى، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
خامسا: الموازنة.. إن على الإنسان أن يوازن دائماً بين المصالح والخسائر، فإذا زهد الإنسان في أخيه، وأراد أن يطرده من العمل.. فإنه بذلك يكون قد كشف ستره، فلينظر: كم في هذا العمل من المنفعة، وكم فيه من المضرة!.. عليه أن يوازن!.. روي عن الإمام الباقر أنه قال: (يحشر العبد يوم القيامة، وما ندا دماً، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً؟.. فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا كذا، فرويتها عليه، فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه).. قد يقول قائل: الحمد لله لسنا في هذا الطريق.. ولكن إذا تكلمت بكلمة عن أحد المؤمنين، فإن هذا الرجل يسقط من الأعين، ويعتزل المؤمنين، ثم ينحرف ثم يزني، ويشرب الخمر!.. ففي يوم القيامة أنت شريك في زناه وشربه؛ لأنك فصلته عن مجتمعه، وقطعت أوصاله، وقذفته من هذه الشجرة المباركة!.. فلابد أن نكون حذرين جداً!..
سادسا: عدم القطع.. إن الإنسان محاسب على قطعه.. إذا رأيت من يخالفك بالرأي بشكل كامل، لا تعاديه.. انظر إلى منطلقاته، إذا كان على يقين بصحة مسلكه، فقدّره واحترمه!.. في علم الأصول: إن القطع حجة!.. هو قاطع بمسلكيته، وبما هو فيه.. نعم، إذا رأيت إنسانا مخادعا، هو لا يقطع بصحة مسلكه.. ولكن قلبه حطام، هذا الإنسان نعم، قد يرجح لك أن تحاول معه.. ولكن ما دام نحن جعلنا القطع واليقين حجة، فلماذا نتواجه مع من هو قاطع في سلوكه؟.. إذا أردت أن تنقذه، فزحزح قناعاته، والمقدمات التي بنى عليها طغيانه القطعي.. حاول أن تزحزح هذه المقدمات، ليقتلع عن قطعه ومن جهله المركب.


http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312666620033.gif (http://www.vardel.com/up/)


http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312670110251.gif (http://www.vardel.com/up/)

بنت الزهراء
17-03-10, 10:03 AM
http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312666017021.gif (http://www.vardel.com/up/)

الآداب المعنوية للعمل الإسلامي (3)


- شتان بين جلسة في إحدى الشركات الاستثمارية الكبرى، وبين جماعة يجتمعون من أجل هداية الناس، ومن أجل إرشاد الناس، ومن أجل إقامة الصلاة.. {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}.. فالوظيفة الأولى للحكومة الإسلامية، وللإمام –عليه السلام– هي إقامة الصلاة في الأرض.. فنحن عندما نزور الإمام الحسين –عليه السلام– نشهد بأنه أقام الصلاة.. ولكن إقامة الصلاة بمعناها الشامل، تلك الصلاة المؤثرة في حياة الأمة، والمؤدية إلى النهي عن الفحشاء والمنكر!.. فلو أقمنا الصلاة بهذا المعنى، لما بقي منكر في هذا الوجود!.. فالجلسات المنعقدة من أجل مناقشة ما يهم أمر الأمة، وشباب الأمة، ونساء الأمة، هي من أبرك الجلسات.. ومن هنا، يفضل ختم هذه المجالس والاجتماعات في هذا الإطار بشيء من الدعاء والذكر، فإن الله –عز وجل– سوف لن يرد لهم حاجة، لأنهم مجتمعون على ذكره!..
- إن إطعام الطعام من موجبات المغفرة ومن المنجيات؛ لأن هنالك عطية إلهية.. فإذا كان الاجتماع على رزق مادي من موجبات المغفرة، فكيف بالاجتماع على رزق معنوي؟!.. عن أبي عبد الله (ع) قال: (المنجيات: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام)، وعن أبي الحسن -عليه السلام- قال: (من موجبات مغفرة الله -تبارك وتعالى- إطعام الطعام).. فالإنسان الذي يأكل، يقوم بحركة مادية.. ولكن الذي يُطعم الآخرين، فهذه حركة روحية إلهية!.. قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}، هكذا كانت صفة إبراهيم الخليل (ع).. إذا كان تقديم الطعام المادي للغير، هذه نتيجته، فما هي النتيجة عندما تكون المقدمة إطعام الطعام المعنوي؟!..
بعض قواعد العمل الديني وخدمة الغير:
أولاً: الانطلاق من عالم المحبة.. إن بعض علماء الأخلاق، يرون أن من أقرب السبل إلى المحبة الإلهية، هو تحبيب الخلق بالله -عز وجل– وسلوك طريق المحبة.. فهذا أشرف ما يمكن أن يقع في هذا الوجود!.. لو أمكننا أن نحول الشاب إلى شاب محب لله –عز وجل–، وذلك من خلال تحبيبه برموز الشريعة: أئمة أهل البيت (ع)، ومن فوق ذلك المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم–.. فالإنسان إذا أحب الإسلام، أو أحب رب الإسلام الذي أرسل الرسالة، فإن هذه المحبة تكون من أفضل الدوافع للعمل!.. وفي علم البرمجة اللغوية العصبية، وبشكل عام: من المعروف أن الذي أحب أمراً من الأمور، أبدع فيه، ولو كان أمراً سخيفاً أو تافهاً، مثل أولئك الذين يتسلقون الجبال الشاهقة، أو أولئك الذين يخاطرون بأنفسهم لاكتشاف أبرد نقطة في القطب الجنوبي مثلا!.. أو لا يفترض بالمؤمن أن تكون همته أكبر من هؤلاء الذين يبحثون عن أمور لا تسمن ولا تغني من جوع؟!..
ثانيا: استمرار نية القربة.. إن مشكلة العمل الجماعي، هو أنه بعد فترة يتحول لا شعورياً إلى عمل تحزبي إن صح التعبير؛ أي نُصبح نعشق هذا العنوان.. نحن اجتمعنا بلا عناوين، ولكن بعد فترة اكتسبنا وجاهة في المجتمع بعنوان معين، فكلما انتشر هذا العنوان كلما زدنا سروراً.. قد تكون الجماعة لا تعمل شيئاً جديداً، ولكن عندما يسمعون صيتاً لهذا العنوان، يدخل عليهم السرور والفرح.. وحينئذٍ يتحول العمل من عنصر مثالي إلى عنصر ذاتي، ومن هنا آفة الأعمال الاجتماعية، والأعمال الرسالية، هو هذه الحركة الشيطانية الذكية!.. أي أن المحور الإلهي وبلباقة تامة يُخرج أو يأخذ هذا المحور، ليضع مكانه هذه المحاور الوهمية الباطلة.. فإذاً، لابد أن نستحضر قصد القربة إلى الله –عز وجل– في كل حركة.. فالعلماء يقولون: إن هنالك عوامل محدثة، وعوامل مبقية: العلة المحدثة، تحتاج إلى علة مبقية.. مثلا: في موانئ تفريغ الحديد: تأتي رافعة كهربائية، فيها مغناطيس قوي جداً، يقترب من هذا الحديد ويمسكه.. إذا انقطع التيار الكهربائي لحظة واحدة، سقطت هذه الكتلة على رؤوس أصحابها!.. ولذا فإنه لابد أن يعطى هذا الجهاز في كل لحظةٍ الطاقة اللازمة لحفظ هذه الكتلة!.. إن العمل القربي بمثابة هذه الكتلة الحديدية، يحتاج إلى مدد مستمر.. لو غفل الإنسان طرفة عين عن النية، سوف ينحرف عن مسيرته.
- إن الإمام زين العابدين (ع) روي عنه أنه (كان قائما يصلي حتى وقف ابنه محمد (ع) -وهو طفل- إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر، فسقط فيها.. فنظرتْ إليه أمّه فصرختْ وأقبلتْ نحو البئر، تضرب بنفسها حذاء البئر وتستغيث وتقول: يا بن رسول الله!.. غرق ولدك محمد، وهو لا ينثني عن صلاته، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر، فلما طال عليها ذلك قالت -حزنا على ولدها-: ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت رسول الله؟.. فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها، وكانت لا تنُال إلا برشاء (أي حبل) طويل، فأخرج ابنه محمدا (ع) على يديه يناغي ويضحك، لم يبتل له ثوب ولا جسد بالماء، فقال: هاكِ يا ضعيفة اليقين بالله!.. فضحكت لسلامة ولدها، وبكت لقوله (ع): يا ضعيفة اليقين بالله.. فقال (ع): لا تثريب عليك اليوم!.. لو علمتِ أني كنت بين يديّ جبار، لو ملتُ بوجهي عنه لمال بوجهه عني.. أفمن يُرى راحما بعده)!.. فالقضية قضية آنية، متواصلة، ومستمرة.. أي مادمتَ متوجهاً إلى الله –عز وجل- هو متوجه إليك!.. وبمجرد أن تُعرض بوجهك عنه، هو أيضاً يميل بوجهه عنك!.. {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}!.. وإذا مال بوجهه عنك: فإن الشياطين بالمرصاد، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإن هو ذكر الله –تعالى- خنس، وإن نسي الله –تعالى- التقم قلبه).. خرطومه على قلب بني آدم يمده بالفساد، وما يوجب الانحراف.. إنه منظرٌ مخيفٌ!..
ثالثا: الاحتراس من الشيطان: إن الإنسان لم يحسب حساب الشيطان، فالمشكلة في {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، وهذه معركة غير متكافئة!.. أحدنا يدخل عملاً جديداً، ويبقى فيه لسنوات فيصبح خبيراً في عمله، فكيف بذلك الموجود الذي حاول أن يُغري بني آدم من زمانِ آدم إلى يومنا هذا؟.. تصوروا كم من الخبرة لدى هذا الموجود العنيد؟!.. فكيف إذا أُضيف إلى ذلك الانتقام الشخصي حالة من العداء، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}.. إن اليقين بعض الأوقات يأتي من المقدمات غير الحسية، بالإخبار الصادق المصدق، {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.. لذا على النساء الذين يخافون من الجن القرين، أن يخافوا من الشيطان القرين؛ لأن هذه حقيقة قرآنية!.. وقد يصل الأمر بالإنسان أن يصبح الشيطان له قريناً ومصاحباً!.. ويوم القيامة تُرفع دعوةٌ على الشيطانِ من قبل جميع البشرية: أن هذا الذي أغوانا يا رب!.. وهذا الشيطان لا يحتاج لمحامٍ، إنه يدافع عن نفسه أيما دفاع، ويقول: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}.. هذا الشيطان القرين الذي ينبغي أن نحسبُ حسابه!..
- إن الشيطان له هم وهو أن يضع يده على الحوزات العلمية، وعلى البلاد المقدسة!.. ومن هنا فإن الذي يتصدى للعمل الاجتماعي، لابد أن يحسب حساب أن الشيطان يخصه بالكيد. هنالك قصة في زمان الشيخ الأنصاري قيل: إنّ رجلاً رأى إبليس في المنام، وهو مغضب، وفي يديه مجموعة حبال غلاظ ورقاق، وسلاسل مختلفة، من بينها سلسلة غليظة قد تقطّعت في سبعة مواضع منها، فسألـــه عن الحبال والسلاسل التي يحملها في يديه، وعن السلسلة المتقطّعة ما هي، وما هو سبب تقطيعها؟..
فقال إبليس: الحبال والسلاسل آلاتي ووسائلي، أغلّ بها الناس وأسحبهم إليّ.
فقال الرجل: إني أراك غضبان، فما هو سبب غضبك؟..
فقال إبليس: أردت في هذه الليلة أن أغلّ الشيخ الأنصاري، بأعظم ما عندي من السلاسل وأسحبه إليّ، غير أني لم أقدر عليه، وكلّ مرّة حاولت ذلك قطع السلسلة وانفلت من شباكي.. فكرّرت العملية إلى سبع مرّات، حتّى يئست منه ورجعت خائباً خاسراً.. وهذه السلسلة التي تراها مقطوعة، هي التي كنت قد أعددتها لأسحب بها الشيخ إليّ، وانّ ما ترى عليّ من غضب فهو من ذلك.
قال له الرجل حينئذ: وهل لك أن تريني السلسلة أو الحبل الذي تغلّني به، لتسحبني بواسطته إليك؟..
قال له إبليس شامتاً: إنّ أمثالك يأتون نحوي بمجرّد إشارة منّي إليهم، ولا يحتاجون إلى الحبل، فكيف بالسلسلة؟..
فانتبه الرجل من نومه مذعوراً، وذهب إلى الشيخ الأنصاري، ونقل له الرؤيا.. فلما سمع الشيخ ذلك استوى جالساً، وأخذ يحمد اللّه –تعالى- على سلامته من مكائد إبليس ووساوسه، وقال: نع، لقد أصيبت زوجتي في الليلة البارحة بحالة الطلق والولادة، واحتجتُ إلى مال أتمكّن من أن أشتري به ما تحتاج إليه المرأة في هذه الحالة، فلم يكن عندي شيء سوى وديعة استودعها عندي بعض المؤمنين كأمانة، ففكّرت في نفسي وقلت: إنّ صاحبها يرضى بأن أتصرّف فيها، وخاصّة في مثل هذا الوقت الذي أنا بأشدّ الحاجة إليها، ثمّ إذا وسّع اللّه -تعالى- عليّ أرجعتها مكانها، فذهبت إلى الرف الموجود فيه الأمانة لأخذها، لكنّي احتطت ورجعت.. وهكذا إلى سبع مرات، حتى عزمت على عدم الأخذ، وبالفعل تركتها ولم آخذ منها شيئاً، وسهّل اللّه الأمر على زوجتي ووضعت بسلامة.. ولعلّ هذا هو تفسير الرؤيا التي رأيتها.
نعم، هكذا يحاول إبليس أن ينفذ إلى القلوب ويوسوس فيها، غير أنّ أولياء اللّه قد عرفوا ذلك، فقاموا بتأييد من اللّه -تعالى- بسدّ الطريق عليه، ليكونوا مصداقاً للحديث الشريف: (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه).. فلكل إنسان مستواه الإيماني، وله صيده، وله فخه.
رابعا: عدم الحسد.. إن الشيطان له طريقتان: تارة يقضي على كلِ فردٍ بطلقة مناسبة له، ومرة يبحث عن مصادر التغذية: من الذي يُغذي الناس؟.. ومن الذي تصدى لهداية الناس؟.. أيّ جماعة، وأيّ فئة، أو أيّ جمعية، أو أيّ مسجد.. فيذهب ليسمم هذا المركب، فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (لكل شيء آفة، وآفة العلماء الحسد)!..
خامسا: طلب المدد من الله -عز وجل-.. إن صعود القمم على طريقتين: الطريقة الأولى: إنسان يريد أن يصل إلى مدارج الكمال بالزحف، وصعود الجبال!.. كما يتسلق أولئك الرواد، بألف حيلة ليصل إلى قمة جبال الهيمالايا: منهم من يسقط، ومنهم من يموت جوعاً، ومنهم من يموت برداً، إلى أن يصل أو لا يصل القمة!.. ويضرب علم بلده على تلك القمة!..
والطريقة الثانية: إنسان يذهب إلى القاعدة الجوية، ويتفق مع رئيس القاعدة، ويقول له: خذني بطائرة مروحية، وضعني على قمة هذا الجبل، فيضع علم بلاده على القمة!.. وبهذه الطريقة، يكون قد قام بنفس المهمة، ولكن دون أن يرى ثلجاً، أو يتسلق جبلاً!..
فإذن، إن صعود القمم على طريقتين: هذه طريقة، وهذه طريقة.. فالذي لديه الهمة فليتسلق!.. ولكن من الذي يصل مع هذه الرياح الهوجاء، ومع هذه المنزلقات الخطيرة، ومع هذه الصخور الحادة!.. وعليه، فإن من خير السبل أن نذهب إلى القاعدة الجوية، ونقول لقائد القاعدة: خذوني إلى القمة أنا لا يمكنني ذلك؟!.. {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}، {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}..
سادسا: الإخلاص والصدق في الطاعة.. إن البعض يشتغل بالعمل الرسالي إلى حد الذهول!.. فيؤذن للصلاة وهو في اجتماع رسالي!.. كيف يمكن ذلك؟.. إذا كان الإنسان عاشقا لله، ولخدمة الدين، فلم يهمل نداء رب العالمين؟!.. والبعض في موسم الحج كذلك!.. فالذي لا يبادر إلى الصلاة في أول وقتها، هذا إنسان غير صادق!.. في مناجاة الإمام زين العابدين (ع) يقول: (أو لعلّك وجدتني في مقام الكاذبين، فرفضتني)!.. لابد من أن نكون على هذا المستوى من الاستحضار الدائم لهذه النية.. البعض يريد أن يحقق هدفه الرسالي في الحياة، بأي طريقة: بتزييف الحقائق، أو بهتك المؤمنين، أو بالصعود على أكتاف الغير، أو بإصدار البيانات المزورة، والكاذبة.. بـهذه الأساليب المتعارف عليها هذه الأيام!.. والحال أن هنالك طريقا أفضل من هذا الطريق.. يقول الله –عز وجل– في حديث قدسي: (إذا أطعت، رضيت.. وإذا رضيت، باركت.. وليس لبركتي نهاية)؛ أي أنا رب هدفي أن الناس يعبدونني {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}.. (إذا أطعت رضيت)؛ فمن عبدني أرضاني، وأرضى الهدف.. وإذا رضي الله -عز وجل- أعطى الحور العين يوم القيامة؟!.. والحور العين والقصور بالنسبة للبعض لا تُعد شيئاً!..
- إن الله -عز وجل- وحده يعلم متى يصل الإنسان إلى الحور والقصور!.. حيث أن هناك عالم البرزخ، {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون}، ثم عقبات القيامة، وبعد آلاف من سنين الانتظار، بعدها يصل للحور العين!.. والجنة فيها نعيمان: الحور، والقصور، وأنهار الخمر، واللبن.. وهنالك في المقابل، ما هو أكبر {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}.. وهذا ليس محله الجنة، الحور محلها الجنة.. ولكن الإنسان يمكن أن يعيش هذا الرضوان الإلهي في الحياة الدنيا!.. {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}، الذي يعيش برد الرضوان الإلهي هذا من أهل الجنة، بل من المستمتعين بالجنة.. يقول عليٌّ –عليه السلام–: (هم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون)، لا يحتاجون الآخرة!.. فإذن،إن معنى: (إذا أُطعتُ رضيت، وإذا رضيتُ باركت)، أي أبارك فيمن رضيتُ عنه.. قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، المروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس: أن هذا هو الشفاعة في الأمة.. وهذه هي البركة الإلهية.. وعن جعفر الصادق (ع) أنه قال: (رضا جدي، أن لا يدخل النار موحد).. فالنبي الخاتم –صلى الله عليه وآله وسلم- همته عالية جداً {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}!.. فإذن، أنا المبارك وأعلم ماذا أعمل.. ومثاله: الحج ومناسكه: التي هي إحياء لذكرى إبراهيم وإسماعيل وهاجر (ع).. عندما أودع إبراهيم (ع) زوجته وولده في منطقة يقول الله -عز وجل- عنها: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}.. ولكن انظروا إلى المباركة الإلهية: ماء زمزم ذكرى هاجر، ورمي الجمرات ذكرى إبراهيم وإسماعيل، في مزدلفة ومنى وعرفة.. هذه البركة الإلهية آلاف السنوات والناس يُحييون ذكرى الرب الذي خلد ذكر إبراهيم.. أحدنا ليخلص النية ليُري ربه أنه يسعى في خدمته.. ولا شغل له بالنتيجة!..
- إن شعار الإنسان العارف، هو هذه الآية القرآنية: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}!.. لو وجد الإنسان العارف في جمع، فإن رب العالمين سيبارك في ذلك الجمع أيما بركة!.. حتى لو كانوا غافلين؛ كرامة لهذا العارف، العارف الذي لا يهمه إلا إرضاء ربه!..
سابعا: التوجه بالدعاء.. إن على المؤمن أن يدعو في جوف الليل، لإنجاح مشاريعه!.. فنحن -مع الأسف- نجعل دعاء: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} كلها تقريباً للحوائج الخاصة: شفاء مريض، أو أداء دين، أو قدوم مسافر... الخ.. لماذا لا نستعمل هذا الأسلوب لإنجاح المشاريع؟.. هل من الحرام أن نعمل ختمة صلوات، أو ختمة قرآن في شهر رمضان للمباركة في مشاريعنا الخيرية؟.. نبي الله (ص) في معركة بدر قال: (اللهم!.. إن تهلك هذه العصابة، لن تعبد في الأرض بعد اليوم).. رب العالمين في أحد لم ينزل الملائكة، وإنما في بدر أنزل الملائكة المسومين.. من المفيد للإنسان أن يتكلم مع الله –عز وجل– بين فترة وفترة بهذا المنطق.
- إن من أمثلة الدعاء بهذه الكيفية: (مناجاة برخ الأسود، الذي أمر الله –تعالى- كليمه موسى -عليه السلام- أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل، بعد أن قحطوا سبع سنين.. وخرج موسى -عليه السلام- ليستسقي لهم في سبعين ألفاً، فأوحى الله -عز وجل- إليه: كيف أستجيب لهم، وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين، ويأمنون مكري.. ارجع إلى عبد من عبادي يقال: له برخ، فقل له يخرج حتى أستجيب له.. فسأل عنه موسى -عليه السلام- فلم يعرف، فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق، إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود، في شملة قد عقدها على عنقه، فمعرفة موسى -عليه السلام- بنور الله -عز وجل- فسلم عليه، وقال له: ما اسمك؟.. فقال: اسمي برخ، قال: فأنت طلبتنا منذ حين أخرج فاستسق لنا.. فخرج فقال في كلامه: ما هذا من فعالك، ولا هذا من حلمك.. وما الذي بدا لك؟!.. أنقصت عليك عيونك، أم عاندت الرياح عن طاعتك، أم نفد ما عندك، أم اشتد غضبك على المذنبين؟.. ألست كنت غفاراً قبل خلق الخطائين، خلقت الرحمة، وأمرت بالعطف.. أم ترينا أنك ممتنع، أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة؟!.. قال: فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر، وأنبت الله –تعالى- العشب في نصف يوم، حتى بلغ الركب قال: فرجع برخ، فاستقبله موسى -عليه السلام- فقال: هل رأيت حين خاصمت، كيف أنصفني؟.. فهم موسى -عليه السلام- به، فأوحى الله –تعالى- إليه: إن برخاً يضحكني كل يوم ثلاث مرات).. عبد يصل إلى درجة من الأنس مع رب العالمين، تجعله يتكلم كأنه مع شخص في مستواه: كصديق.. وطبعاً هذا الأسلوب لا يتمشى مع كل أحد!.. ولكن الإنسان قد يصل بعد فترة إلى درجة من درجات الدلال والأنس.. فيتكلم معه بهذه الطريقة.


http://www.vardel.com/up/do.php?imgf=rabee312666620033.gif (http://www.vardel.com/up/)